دخول المرأة في سوق العمل
دورية شريفاتي-مرابطين - أستاذة-باحثة، جامعة الجزائر، الجزائر.
يعتبر عمل المرأة مؤشراً على تغيير لا
ينطوي في طبيعته على معدل نشاط المرأة،
وهو من أكثر المعدلات انخفاضاً مقارنةً بالبلدان الأخرى في
المغرب العربي، بقدر ما ينطوي على نوعية هذا النشاط. ومهما تكن
أسباب هذا الوضع، فإن مؤهلات المرأة التي تدخل سوق العمل تؤثر في
اتجاه التمثيل لهذا النشاط على الصعيد الاجتماعي. وتحكم دخول
المرأة في سوق العمل دينامية تؤثر في التمثيل الاجتماعي المرتبط
بأبعاد الهوية، (وهذا هو مجال اهتمامنا في هذا المقال) والعمليات
النفسية الفيزيولوجية النشطة التي تزخر بها حركة الاستيلاء على
سوق العمل. وينطوي دخول الشخص في سوق العمل على خطاب يبرز
الرهانات المتعلقة بأبعاد هذا السوق. ولتوضيح ذلك، اعتمدنا على
بيانات جمعت أثناء اللقاءات التي تمت مع فئتين من النساء: فئة
النساء ربات المنازل، وفئة النساء العاملات.
المرأة المؤهلة
: نصيب جيل ما بعد الاستقلال
نظراً لاهتمامنا بالعلاقة التي تنشأ بين
المرأة العاملة وسوق العمل، نهتم أيضاً بمختلف الشرائح النسائية
بمن فيهن النساء العاملات والنساء اللائى نطلق عليهن مصطلح "ربات
المنازل". ولاحظنا أن المؤهلات تحدد على الصعيد الاجتماعي دخول
المرأة في سوق العمل. وإذا كان تاريخ عمل المرأة يعود إلى حقبة
الاستعمار وحالة الفقر التي شهدها البلد في تلك الحقبة، ثم ارتبط
بعد ذلك بحالات البؤس الناجمة عن حالات الترمل، فإن هذا الوضع
يستمر في الواقع في فترة ما بعد الاستقلال بطريقة مختلفة، نظراً
للطابع النوعي
الذي ظل يميز عمل المرأة. ولذلك شهدت السبعينات بروز أول جيل من
النساء المتعلمات اللائى تقلدن المناصب الإدارية. ولأول مرة في
تاريخ الجزائر، ظهر جيل من الأمهات العاملات والمؤهلات. ويتميز
هذا الجيل من النساء، بغض النظر عن الحالة الاجتماعية، بالفترة
التي يقضيها في العمل. وتلتحق نساء كثيرات من هذا الجيل بالعمل
في نهاية المسار الوظيفي، مما يعني المزيد من الاستمرارية في
الوظيفة وزيادة رصيد الخبرة، وبالتالي تطور علاقات العمل،
وبطريقة فرضية تطور العلاقات في مجال العمل المأجور بأسره.
وتجدر الإشارة إلى أن المرأة ينبغي أن
تكون حائزة على شهادة ذات قيمة بحق لتتمكن من الحصول على وظيفة
مخصصة للرجال. ومع أن الشهادة لا تعتبر أداة تساعد المرأة على
التدرج في الوظيفة، فهي تصبح وسيلة لحصولها على العمل.
وتدل هذه الحقائق على تعقيد وضع المرأة في سوق العمل. وعلى الرغم
من أن الملاحظات في هذا الشأن توضح ما حدث من تغيير، فهي توضح
أيضاً الشكل الذي اتخذته عملية البناء الاجتماعي بشأن عدم
المساواة بين الرجل والمرأة. كما أن الجدل الذي يدور بشأن عمل
المرأة ومؤهلاتها يبرز المشاكل المتصلة بالدورالمخصص لكل من
المرأة والرجل. ومن المهم الرجوع إلى خطاب كل من المرأة ربة
المنزل والمرأة العاملة لمزيد من فهم العلاقات الاجتماعية في
سياق هذه المشاكل.
التعليم : شرط
من شروط عمل المرأة
يشير النقاش بشأن المؤهلات إلى أن أحد آثار التطور النوعي لعمل
المرأة هو التسليم بأن العمل موجود للمرأة الحائزة على شهادة.
وهذا على الأقل ما يُفهم من حديث المرأة ربة المنزل بعد اللقاءات
التي أجريناها. وحين طرحنا السؤال الآتي : لماذا تعمل المرأة ؟
كانت الإجابة: لأن معها شهادة. وكان المنطق في ذلك أن المرأة
التي أكملت الدراسة الجامعية ملزمة بالعمل. ويصبح عمل المرأة
التي نالت شهادة هو الأكثر مشروعية مع خضوعه بالطبع إلى إذن مسبق
من رب الأسرة. ومن ثم، لا يوجد أي سبب لخروج امرأة ليست معها
شهادة للعمل. وهذا التقييم نسبي ويخضع لوزن التقاليد في المجتمع.
فإذا كان الزوج يلبي احتياجات المرأة، فهي لا تستطيع المطالبة
بالعمل حتى ولو معها شهادة. وفي هذا الخطاب، فإن مفهوم "الحاجة"
يضعنا أمام عدة تفسيرات تبرر خروج المرأة للعمل أو تخضعه لشروط
معينة. ويمكن تفسير هذا الموقف بأن عمل المرأة يضعف من مركز
الرجل الذي يضطلع عادة بالنشاط الاقتصادي الذي يساعد على توفير
احتياجات الأسرة.
ويتسم خطاب المرأة ربة المنزل بعدم التجانس، ويتأرجح بين حجج
السلطة التي تنم عن خضوع المرأة للرجل والحجج التي تعطي للمرأة
هامشاً جديداً من الحرية نظراً لتعليمها. ونظراً للقيمة
الاجتماعية للتعليم، فإن المرأة المتعلمة تناقش في عقد الزواج
حقها في العمل. وتعتبر هذه المناقشة أمراً مشروعاً.
ويتضح من المقابلات التي أجريت أن الشابات
خريجات الجامعات اللائى لا يعملن يصفن أنفسهن بأنهن عاطلات
عن العمل سعياً إلى التمييز عن النساء اللائى لم يلتحقن
بالجامعة. ويعني ذلك بالنسبة للشابات العاطلات أن الدراسة هي
عنصر لإعدادهن للانخراط في العمل.
المهن النسائية
والمهن الرجالية : الجدل المتناقض
من الملاحظ أن المرأة ربة المنزل التي تضطلع بالأعباء المنزلية
هي التي تثير مسألة التسلسل الهرمي للمهن حينما تتحدث عن عمل
المرأة. وقد برز في هذا السياق رأيان: رأي يعتبر أن المرأة لا
تستطيع القيام بكل المهن، ورأي يقول بأن المجتمع هو الذي يحد من
فرص عمل المرأة. ولذلك فإن المهن التي تعتبر "نسائية" أصبحت كذلك
لطبيعة المهام المرتبطة بها. فالتدريس أو الرعاية الصحية هي
المهن الأقرب إلى العمل الذي تمارسه المرأة في محيط الأسرة.
بالإضافة إلى ذلك، هناك عدد من الشروط المسبقة لعمل المرأة. فلا
ينبغي أن تنصرف المرأة بسبب وقت عملها أو طبيعة مهنتها عن
مسؤولياتها الأسرية. ولذلك ينبغي أن تمارس المرأة عملاً يمكنها
من أن تكون موجودة في المنزل قبل وصول زوجها، أي ينبغي أن توفق
المرأة بين نشاطها خارج المنزل ونشاطها في المنزل، وعليها أن
ترعى أطفالها، وأن تتجنب الاختلاط بالرجال. وبناء على ذلك، فإنه
لا يُوصى بأن تمارس المرأة المهن التقنية، كما أن المهن الإدارية
تعتبر أقل قيمة. وتخضع المهن التي يطلق عليها "المهن النسائية"
للتصنيف، مثل حالة المهن شبه الطبية التي لا تناسب كلها جميع
النساء. أما المهن التي تتطلب قوة بدنية فهي مستبعدة لأنها
تتنافى مع طبيعة المرأة. ويتضح من هذا التصنيف للمهن أن المهن
التي لا تتطلب مؤهلات والتي لا تحظى بتقدير المجتمع فهي أيضاً
مستبعدة مثل مهنة الخادمة في المنزل.
وترى النساء اللائى يعتبرن أن المرأة يمكن أن تمارس جميع المهن
أن أحكام المجتمع المسبقة تحد من فرص حصول المرأة على المهن التي
تعتبر مهناً رجالية. وحجة هؤلاء النساء أن المرأة تتمتع بنفس
القدرات العقلية التي يتمتع بها الرجل. ولذلك فإن موضوع الخلاف
ليس هو ذكاء المرأة ولكن أحكام المجتمع المسبقة هي التي تحد من
فرص حصول المرأة على هذا النوع من المهن. ويتضح من الخطاب السائد
وجود ارتباط وثيق بين الرجولة والعقلانية وبين الأنوثة والعاطفة،
فالرجل عقلاني والمرأة غير عقلانية في الأمور العاطفية.
ويتخذ الخطاب بشأن المهن طابعاً مجرداً ويكشف عن الجهل بمحيط
العمل. وبصورة عامة، يرتكز الحديث عن العمل على فرضيات وفرضيات
مضادة تدل على أن المرجعية التي تستند عليها الحجج مشتركة بين
جميع النساء بغض النظر عن مستوى تعليمهن. ونعني بالفرضية الحجج
التي تقدم في شكل أدلة على أن الإرث الثقافي هو الذي يحدد دور كل
من الرجل والمرأة في محيط العمل، كما هو الحال بالنسبة لمفهوم
"الحاجة" ومفهوم " العيب". وفي الواقع، فإن التأكيد على أن العمل
ليس عيباً هو بمثابة الحكم في سياق الجدل الذي يميل إلى تجريم
المرأة العاملة. وهذا التعبير المتفق عليه بقدر كبير يضعنا أمام
عملية تنحى إلى تفريغ عمل المرأة من محتواه الأخلاقي على نحو ما
هو مفهوم بصورة راسخة. ويمكن التأكيد أن هذا التعبير يفهم، حسب
المحتوى الرمزي الذي يرتكز عليه، بوصفه فرضية مضادة.
وإذا كانت بعض المفاهيم ترتكز على الإرث الثقافي، هناك مفاهيم
أخرى تتخذ من الحداثة منطلقاً لها، مثل إشارة النساء إلى الشهادة
على نحو متكرر بوصفها حجة تبرر عمل المرأة. وتتضمن الحجج الداعية
إلى عمل المرأة بعض المفاهيم التي تنم عن نبرات رمزية مختلفة
تتعايش جنباً إلى جنب في هذا الخطاب، وتعبر بالكلمة وعلى صعيد
التمثيل في محيط العمل عن تجارب المرأة ودورها. ويفسر هذا
التناقض إلى حد ما التحديات المرتبطة بمركز كل من الرجل والمرأة
في محيط العمل، ونصيب كل منهما من هذا العمل. وما يفهم من هذا
الخطاب أن التجربة تدل، في مجال العلاقات في محيط العمل، على أن
حصول المرأة التي تحمل شهادة على العمل يؤثر في التمثيل
الاجتماعي لعمل المرأة حتى بمفهوم أن عمل المرأة لا يزال موضوعاً
مجرداً. وهنا يكمن الاختلاف بين المرأة التي تمارس مهنة بأجر
والمرأة التي لم تمارس قط مثل هذه المهنة.
وإذا كان العمل بأجر يعني بالنسبة لفئة من النساء وسيلة يهيئها
المجتمع للمرأة لمنحها مزيداً من الفرص، فهو يعني للمرأة التي
تمارس نشاطاً مقابل أجر الدخول في مفاوضات قانونية لها بعد يتصل
بتأكيد الذات.
محيط العمل
المهني : الإحساس بالذات
يختلف خطاب المرأة العاملة عن خطاب المرأة ربة المنزل. ويثير
الجدل بشأن عمل المرأة خطاباً عن الذات. فالحديث عن عمل المرأة
يتجه دائماً إلى محيط العمل المهني، نظراً لأن العمل المهني يضع
المرأة في قلب ساحة تتشابك فيها العلاقات الأفقية والعلاقات
الطبقية، والعلاقات الرسمية وغير الرسمية التي تختلط فيها أبعاد
تتعلق بالأجيال ونوع الجنس والثقافة والمركز.
وأثناء المقابلات التي أجريناها، استغرقت النساء بعض الوقت قبل
الحديث عن عملهن. وكن يتحدثن عن مسارهن الوظيفي ومؤهلاتهن. وكان
الحديث عن المؤهلات من هذه الزاوية يعبر عن عملية شغل الوظائف.
ولتوضيح هذه النقطة سنقدم بعض الأمثلة.
فالجدل عن المؤهلات ينحى إلى الكشف عن طريقة مقارنة ضمنية.
فالمرأة العاملة تنظر إلى نفسها بالمقارنة مع الرجل الذي يعمل
معها في نفس المهنة. وترتكز المقارنة على عدد من الخصائص
والمؤهلات التي يتطابق بعضها مع ما يتميز به الرجل، بينما يختلف
البعض الآخر لأنه يخص المرأة وحدها.
الكفاءات
المترابطة
توجد طائفة مختلفة من النساء اللائى يشتركن بقدر كبير في
الكفاءات المترابطة مثل شاغلات الوظائف الإدارية العليا،
والطبيبات، والفنيات في المجالات العليا في الحقل الطبي. ويرتكز
التقدير لكفاءتهن على النحو الذي يمثلن به مهنتهن. وهذا ما
يجعلهن ينظرن إلى أنفسهن كنساء نزيهات ويحترمن الآخرين. وهذه هي
الحالة بالنسبة للطبيبات، أو النساء العاملات في المهن شبه
الطبية، أي النساء المسؤولات عن تقديم خدمات واللائى ينظرن إلى
أنفسهن كنساء يتمتعن بقدرات على إدارة عملهن ومتابعة المرضى.
ونظراً لأن هؤلاء النساء متشددات حتى في النظرة إلى أنفسهن، فهن
متشددات أيضاً في التعامل مع الموظفين الذين يعملون تحت إشرافهن.
وترى هؤلاء النساء أن زملاءهن من الرجال أقل تشدداً، ويتركون
الأمور تسير على نحو ما هي عليه. وهذا الشعور بالذات يضع هؤلاء
النساء أحياناً في مواقف نزاع مع الموظفين من الرجال الذين
يعملون تحت إشرافهن. وترى بعض النساء أنهن ملزمات بإدارة هذه
العلاقة القائمة على نوع الجنس بكثير من الحذر. وتتعرض النساء
العاملات في المهن شبه الطبية بصفة خاصة لمواقف النزاع، بالإضافة
إلى عدوانية بعض المرضى. وعلى الرغم من هذه الصعوبات، تساهم
مؤهلات النساء العاملات في مهن شبه طبية في الوقت الحالي، وهذه
المؤهلات هي ثمرة التدريب العالي الذي نركز عليه في هذا المقال،
في تغيير النظرة إليهن. وفي هذا السياق، تصبح المؤهلات عنصراً
للتمييز وتقييم الذات مقارنة بالزملاء غير المؤهلين الذين أثرت
ممارساتهم سلباً في النظرة إلى المهنة.
أما شاغلات الوظائف الإدارية العليا، فهن يركزن على مقدراتهن
التنظيمية والعلاقات في محيط العمل. فقد أسهمن في تحديث دوائر
عملهن باستحداث التقنيات الجديدة. وقالت امرأة تعمل في مؤسسة
عامة إن المرأة تحصل على الترقية بفضل مؤهلاتها الحقيقية، وإن
الكفاءات المهنية للمرأة معترف بها من جانب الرؤساء والزملاء على
حد سواء.
وترى بعض النساء أن المؤهلات المطلوبة
لبعض الوظائف مثل الوظائف في قطاع الاتصالات تبرر وجود المرأة في
هذا المجال. ويفضل الرجال التعامل مع النساء لأنهم يرون أن
التعامل مع المرأة سهل. أما النساء فيعتبرن أن هذه الخصائص من
طبيعة المرأة وتساعد على تبرير وجود المرأة في مثل هذه الوظائف.
وهذه العلاقة القائمة على دراية المرأة تضعنا أمام أمر يصعب
تقييمه، نظراً لأن نوعية الخدمة المقدمة تتداخل فيها عناصر من
قبيل القدرات على التعامل، والاتصال، والدبلوماسية التي يصعب
تقييمها حتى ولو أعطيت حقها من التقدير لأنها تكتسب بالتجربة
والمعايشة وليس بالتدريب المنتظم.
وتنصهر الخصائص المهنية في الخصائص الشخصية، وتتخذ شكل السمات
التي تكون الشخصية. وإثبات المرأة لذاتها في المجال المهني
يعطيها شعوراً بأنها ذات كفاءة واضحة. ويتعزز هذا الشعور بفضل
الاحترام الذي تحظى به المرأة في محيط عملها. ولذلك فإن حديث
المرأة عن عملها هو بمثابة إبراز لشخصيتها. وفي سياق عملية
المقارنة، فإن تأنيث الخصائص في مجال العلاقات، يضفي على المرأة
سمة التفرد ويجعل احتلالها لمركزها في محيط العمل أمراً مشروعاً.
وعلى الرغم من ذلك، فإن تفرد المرأة لا ينطوي على عنصر تمييز
أساسي مقارنة بزميلها الرجل. وعلى عكس ذلك، فإن المرأة تصر
دائماً على توضيح حقيقة أنها تتمتع بنفس الخصائص التي يتمتع بها
زميلها الرجل، وأن لديها أيضاً نفس القدرات. فالتجربة المهنية
ولدت لدى المرأة المؤهلة ثقة بالنفس.
ويوضح الحديث عن الكفاءات التحولات التي حدثت في التاريخ
الاجتماعي للمرأة. وفي الواقع، فإن المميزات في مجال العلاقات
التي تعتبر من المميزات النسائية تنم في حد ذاتها عن عملية
التدريب في سياق الحياة الخارجية. وينطبق ذلك أيضاً على المميزات
الأخرى مثل الصبر والدقة والضمير الحي. فقد اكتسبت المرأة هذه
المميزات بفضل التجربة المنزلية، وهي نفس المميزات التي يتسم بها
دور المرأة. ونظراً لأن هذه المميزات تعتبر بطبيعتها من مميزات
المرأة في محيط الحياة الخاصة، فهي لا تستوجب أية مكافأة. ولذلك
فإن الانتقال بها إلى محيط العمل يبرزها ويحدث فيها تغييراً
عميقاً لا على مستوى شروط ممارستها فحسب، بل أيضاً على مستوى
خصائصها الجوهرية.
المسار الوظيفي
المتعثر
يبرز الحديث عن الكفاءات الاستثمار المهني الذي يتعارض مع تطور
المسار الوظيفي للمرأة. وقد أوضح البحث الذي أجريناه أن عدداً من
النساء المتزوجات وشاغلات الوظائف الإدارية العليا يلتحقن بالعمل
في أواخر مسارهن الوظيفي. وتجد هؤلاء النساء المتمسكات بعملهن
مسارهن الوظيفي في مهب الريح. وتتأرجح حياتهن العملية بين مواصلة
العمل والانقطاع عنه مع اختلاف فترات الانقطاع عن العمل من امرأة
لأخرى. وترتبط أسباب الانقطاع عن العمل بالأمومة. ومن المفارقة
أن المرأة تتعرض للعقاب بسبب هذه الوظيفة الاجتماعية التي تصبح
في محيط العمل موضع نقد وتجريد من الحقوق في بلد يعتبر فيه إنجاب
الأطفال صفة تضفي مزيداً من الاحترام على مركز المرأة.
ويتضح من الحديث عن الكفاءات أن المرأة تنافس الرجل في شغل
الوظائف المخصصة لها. ومن هذا الجانب، تفقد الشروط التي تقوم
عليها المساواة بين المرأة والرجل الكثير من الاعتبار. فالرجل لا
يفوق المرأة في أي شيء، فهو يقاس مثلها بما لديه من كفاءات، كما
أن كفاءات المرأة تفوق كفاءات الرجل في بعض الحالات.
ويستشف من حديث المرأة عن مسارها الوظيفي
وجود نوع من "السلم الوظيفي اللزج"
الذي يحول دون تدرجها في الوظيفة مثل الرجل، إذ نادراً ما تنجح
المرأة في تسلق هذا السلم الوظيفي اللزج. ولذلك تشير النساء
العاملات في مؤسسة عامة إلى أنهن يعملن منذ 15 سنة في المؤسسة،
ثم يأتي رجل ما تخرج من نفس الجامعة وتلقى نفس التدريب ليصبح
مديرا، بينما لا توجد امرأة واحدة تشغل منصب مدير. وتجدر الإشارة
إلى أنه من بين 64 مسؤولاً توجد امرأة واحدة. وعلى صعيد الوظائف
الإدارية العليا، فالنساء قليلات جداً. فالمرأة لا تحصل على نفس
الفرص في واقع الأمر. والوظيفة العليا الوحيدة التي تتقلدها
المرأة عن طريق الترقية هي وظيفة مسؤولة عن الدراسات، كما أن عدد
النساء اللائى يشغلن هذه الوظيفة قليل جداً.
وتقول النساء إن هذا الوضع يعزى إلى طبيعة
المرأة، أي الأمومة، وأيضاً إلى العقلية السائدة في المجتمع،
فالمرأة لا تجد حقها من التقدير. فهناك الخوف من أن تضطلع المرأة
بأعباء لا يستطيع الاضطلاع بها كثير من الرجال. فمن المعروف أن
هناك بعض الرجال الذين أفضت إدارتهم إلى إشاعة الفوضى. فالمرأة
مهمشة، لأنها لا توجد في نفس الحيز أو الوقت على الصعيد
النفسي-الاجتماعي مثل الرجل. كما أن عدم وجود حد فاصل بين حياتها
الأسرية وحياتها المهنية يضعها أمام عملية تفضيل بين الاهتمام
بمسارها الوظيفي وتدبير الشؤون المنزلية. فحين تنجح المرأة، يكون
ذلك بفضل جدارتها، وهو أمر له مدلول الاعتراف الاجتماعي بها.
وهذا الأمر لا ينطبق على الرجل الذي يلجأ كثيراً إلى استغلال
العلاقات غير الرسمية. وتشير بعض النساء إلى أن القرارات التي
تخص المؤسسة والترقية تناقش خارج محيط العمل. ويستفيد الرجال من
سهولة الحركة على الصعيد الاجتماعي، ويتقابلون في غير ساعات
العمل في المقاهي وغيرها من الأماكن التي لا ترتادها المرأة
عادة. وتؤثر العلاقات غير الرسمية في المسار الوظيفي. أما المرأة
فهي مستبعدة من هذه اللقاءات خوفاً من نظرة المجتمع إليها.
ونظراً لوجود كل هذه الظواهر، يمكن القول إن المرأة حتى ولو
شاركت الرجل في نفس الحيز المادي، أو في محيط العمل أحياناً، فهي
نادراً ما تشاركه في نفس الحيز النفسي. وهذا يعطي الانطباع بأن
الكيانين، أي الرجل والمرأة، يوجدان جنباً إلى جنب بصورة سطحية،
ولكنهما لا يختلطان ببعضهما.
ويتضح من ذلك أن اللوائح حتى وإن لم تكن متحيزة على أساس نوع
الجنس، فهي تنطوي على خطاب باطني رجولي، وممارسات تحكم المسار
المهني التفاضلي، الأمر الذي يفضي إلى عدم المساواة بين الجنسين.
ويتضح من هذا الواقع أن المرأة تجد نفسها ملزمة بانتهاج خطاب
يسلط الضوء على قدراتها وكفاءتها المهنية على نحو يبرر وجودها في
محيط العمل الذي لا يزال يهيمن عليه الرجل. وهذه العناصر تضفي
طابع السلبية على مفهوم الاختلاط في المحيط المهني. وفي الواقع،
حينما تشترط المرأة ربة المنزل عدم الاختلاط في مكان العمل كشرط
لعمل المرأة، فإنها تخشى المدلول الجنسي لهذا الاختلاط. وفي نظر
المرأة، ينطوي الربط بين مكان العمل والاختلاط على عبء اجتماعي
ينبغي النظر إليه بكثير من الحذر. وكما يتضح، فإن التمييز الذي
يظهر على صعيد إدارة المسار الوظيفي يعتبر مؤشرا على الحاجز
النفسي الذي يفصل بين الرجل والمرأة. ولذلك فإن تقسيم العمل حسب
نوع الجنس قد يؤدي إلى حواجز أكثر وضوحاً في العلاقات بين
الجنسين. وفي هذا السياق، ينبغي فهم خطاب المرأة بشأن الكفاءة
وخطابها بشأن تقييم الذات سعياً إلى تحقيق المساواة بين الجنسين.
التكنولوجيا هي
ساحة الصراع
يتضح من اللقاءات التي أجريناها مع نساء
يشغلن وظائف إدارية عليا في مؤسسة عامة أن الوظائف التقنية هي
موضع الجدل. فعلى الرغم من نجاح المرأة المحدود في تقلد وظائف في
مجالات الإدارات التنفيذية والموارد البشرية والمالية، فهي لم
تتقلد بعض الوظائف التقنية على الرغم من وجود العنصر النسائي
وقبوله في بعض المؤسسات الهندسية. وتشير هؤلاء النساء إلى أنه
فيما يتعلق بوظائف المهندسين هناك تعليمات شفهية بعدم استيعاب
النساء في هذه الوظائف. ومن بين النساء اللائى أجريت معهن
مقابلات، أكدت أربع نساء يشغلن وظائف إدارية عليا هذا الرأي. وفي
رأي هؤلاء النساء، ينبغي أن يكون هناك توازن، نظراً لأن عدد
النساء أكبر مما ينبغي. ومن الملاحظ أن النساء يتجهن إلى الإعداد
العلمي التقني، وعلى الرغم من ذلك، هناك خطاب ضمني ينم عن العزل
داخل المؤسسة. ويبدو أن هناك ربط بين ما هو تقني والرجل. وهذا
الربط ليس بالأمر الجديد، فقد لوحظ أيضاً على صعيد البلدان
المتقدمة النمو أنه كلما تنوعت أدوات العمل، كلما شهدنا تعريفاً
جديداً للمهن على نحو يستبعد المرأة حينما يكون هناك ربط بين
التكنولوجيا والمهنة والرجل. ويوضح هذا الجانب أن التكنولوجيا
تبرز كموضوع في العلاقات الاجتماعية بين الجنسين وتتخذ طابع
المذكر، ومن ثم، تصبح التكنولوجيا بدورها من العناصر التي تقوم
عليها العلاقة بين الجنسين، ويتخذ المذكر الطابع التكنولوجي.
وفي الحالة التي عرضت علينا، يمكن أن نقول إن استبعاد المرأة من
الوظائف التقنية يسلط الضوء على صراع القوى من أجل السيطرة على
مثل هذه الوظائف.
ويفهم من ذلك أن قطاع الصناعة يموج
بالصراعات من أجل السيطرة على الوظائف التقنية. وهذا هو الحال
بالنسبة لعاملات صناعة الجلود
اللائى أجرينا معهن مقابلات أثناء البحث الذي قمنا به في
الثمانينات واللائى ابتكرن رأياً بشأن ماكينة الخياطة التي تعتبر
أداة هامة في صناعة الملابس الجاهزة. فمن أجل مواجهة زملائهن من
الرجال الذين يسعون إلى إبعادهن من هذا المجال، استحدثت النساء
خطاباً يجعل من ماكينة الخياطة رمزاً للأنوثة. وترمي هذه الخطوة
إلى عكس شروط العزل بالقول إن وجود الرجل في هذا النوع من
الوظائف يمس برجولته، نظراً للطبيعة التقنية لهذه الوظائف. وقد
أفرغت الحجج المقدمة التي نعتبرها تقليدية من أجل المزيد من
توضيح هذا الأمر من محتواها الأصلي. فالمصانع التي تعتبر أماكن
للتكنولوجيا كانت في تلك الفترة التي ازدهرت فيها هذه الصناعة
مجالاً أساسياً لنشاط الرجل. وبإدراج ماكينة الخياطة في المحيط
النسائي، تسعى المرأة إلى تهجين الكفاءات وعكس العلاقة القائمة
بين الرجولة والتكنولوجيا.
اسـتـنـتـاج
يوضح تناقض الخطاب بشأن عمل المرأة أن هذا العمل أصبح واقعاً لا
مفر منه في المجتمع. ويبرز ضعف معدلات مشاركة المرأة في النشاط
ما يدور من صراع على صعيد التمثيل الاجتماعي، نظراً لأن عمل
المرأة يبلور الصعوبات التي تتعلق بالمركز الاجتماعي. ويفهم مما
تقدم أن الخطاب بشأن الكفاءات الذي يربط بين الكفاءات المهنية
والخصائص الشخصية يندرج في عملية لتقييم الذات. وينطوي هذا
التصنيف والترتيب للمهن والأنشطة على السعي إلى شغل الوظائف
واحتلال الذات لحيز ما في محيط العمل وعلى صعيد المجتمع. وتثير
المرأة أيضاً كفاءاتها المماثلة لكفاءات الرجل، كما أنها تضفي
الطابع النسائي على هذه الكفاءات في أحيان أخرى. ويساعد هذا
التصنيف على إبراز جوانب الشبه والاختلاف بين الرجل والمرأة،
ويسهم في وضع شروط المساواة بين الجنسين. ويبرر الخطاب بشأن
الكفاءات وجود المرأة في ساحة العمل، ويساعد في نفس الوقت على
إبراز الأشكال التي ستكون عليها البنية الاجتماعية القائمة على
الاعتراف بالاختلاف. وهذا الخطاب الذي تسنده التجربة المكتسبة في
محيط العمل يهدم كل فئات الخطابات البيانية السائدة. وهكذا يصبح
العنصر المرتكز على طبيعة الأنثى حقيقة ثقافية، وتظل عملية تدرج
المرأة في المسار الوظيفي مفتقرة إلى الاتساق، حتى إذا تساوت
كفاءات المرأة والرجل. ولا يرتبط هذا الترتيب في المحيط المهني
بشأن مركزي الرجل والمرأة بتفوق الرجل، ولكنه يعزى إلى آليات
ترمي إلى عزل المرأة.
المصادر:
المركز الإنمائي
الدولي
الإقليمي لشمال أفريقيا
التابع للأمم المتحدة .
|