الإطار العام
إن المسائل المرتبطة بتوليد فرص العمل والحد من البطالة هي
بطبيعتها مسائل مركبة ومتعددة المستويات، وتتأثر بجملة من
العوامل التي ترتبط بشدة بالتوجهات الماكرو اقتصادية من جهة،
والاقتصادين العالمي والإقليمي من جهة ثانية، إلى جانب أبعادها
الأخرى.
وبشكل عام، يفترض أن لا يغيب عن بال المشتغلين بهذا الأمر، في
البلدان العربية خصوصا، إن تحقيق العمالة الكاملة لم يعد هدفا
اقتصاديا مطروحا حسب منطق المذاهب الاقتصادية السائدة حاليا،
ولا استقرار العمل وديمومته لفترات طويلة. وكذلك، فان سوق
العمل ليس سوقا وطينا مغلقا، بل ان مسألة هجرة القوى العاملة
هي سمة طبيعية ومرغوب بها. كما ان منظمة العمل الدولية غالبا
ما تلفت النظر الى عدم الاقتصار في هذا الصدد على فكرة توليد
فرص العمل والحد من البطالة فحسب، بل ان يشمل التفكير مسألة
شروط العمل وعائد العمل (اي الاجر) وكل ما يدخل عادة ضمن مفهوم
العمل اللائق.
وبالنسبة إلينا في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فان هذه
المسائل هامة أيضا لكي يؤدي العمل إلى الحد من الفقر وتحقيق
التنمية. ذلك ان دراسات عدة أظهرت إن مشكلة الفقر لا تختصر في
البطالة (على اهمتيها) بل ان أنها من الناحية الكمية تطال
ظاهرة العمال الفقراء وذلك بسبب تدني الاجور وتدهور شروط
العمل.
وعند التصدي لهذه المسألة، لا بد من مراعاة المبدئين التاليين:
1-
الاولوية يجب ان تعطى للجهد المبذول من اجل تصميم سياسات
وتدخلات تؤدي الى الحد من البطالة وتوليد فرص عمل جديدة. وبعد
ذلك تأتي مسألة ايجاد آليات المتابعة والتقييم. ويجب ان يكون
الجهد المبذول متوازنا بين الاثنين. ان عدم وجود سياسات هادفة
الى توليد فرص العمل، يجعل عملية المتابعة والتقييم تقتصر على
مراقبة التطور العفوي لمؤشرات سوق العمل والبطالة، ولا يحتاج
ذلك الى تصميم آليات خاصة بذلك. ان وجود سياسات وبرامج يجب ان
يسبق أليات المتابعة.
2-
ان الاستفادة من التجارب الناجحة في هذا المجال، امر ضروري
جدا، وهو يساعد في اختصار الوقت وتجنب الاخطاء. ولكن التجارب
الاخرى لا يمكن ان تحل محل التحليل الاصيل لخصائص سوق العمل
والبطالة والسياسات الاجتماعية والاقتصادية في البلد المعني،
والتي تشكل القاعد الاساسية لاي آليات مراقبة. ان اختيار
التجارب الناجحة واقتباسها ليس عملية عشوائية، ولا تتم
لاعتبارات ذاتية، بل ان معيار الاختيار محكوم بمدى التلائم مع
الخصائص والمشكلات والاولويات الوطنية التي يستخلصها التحليل
الاصيل المشار اليه. وبالتالي، فان الخطوة الاولى الضرورية هي
القيام بهذه التحليل الوطني، او الاطلاع عليه في حال كان
موجودا. وفي ضوء ذلك يمكن البحث عن تجارب ناجحة تتناسب مع
خصائص البلد كما سبقت الاشارة الى ذلك (هل يمكن وضع آليات
متابعة متشابهة في بلد حرية الاعلام والمعلومات فيه متاحة،
وآخر هي غير متاحة فيه؟ هل تتشابه بين نظام دولتي وآخر القطاع
الخاص فيه هو الاساس؟ ..الخ).
الاسئلة الابتدائية
هناك عدد من الاسئلة التي لا بد من طرحها قبل اقتراح آليات
المتابعة والتقييم. على سبيل المثال:
1-
ما هي مؤشرات سوق العمل والبطالة الاساسية؟ وكيف يمكن تلخيص
مشكلة البطالة واسبابها الاكثر اهمية (هل هناك ركود اقتصادي؟
هل هناك عدم تطابق بين العرض والطلب؟ ..الخ).
2-
ما هي القطاعات الواعدة في مجال النمو الاقتصادي وتوليد فرص
عمل، وما هي القطاعات المشبعة؟
3-
ما هي عناصر الجذب او النبذ في سوق العمل في القطاعات
المختلفة؟
4-
ما هي الخصائص الثقافية والاجتماعية التي تعيق تطور سوق العمل،
وخصوصا عمل المرأة والشباب؟ وما هي الاختلافات بين الريف
والمدينة؟ وهل هناك ثقافة للمبادرة الخاصة ان الميل هو للعمل
في القطاع العام؟
5-
ما هو الاطار القانوني والمؤسسي والعلائقي الناظم لسوق العمل:
هل هناك مكاتب استخدام؟ هل هي لا مركزية ام مركزية؟ هل هي اطار
فعال لايجاد فرص عمل ان البحث عن عمل يتم عبر العلاقات
الشخصية؟
6-
هل هناك مشاريع اقراض ومشاريع داعمة لانشاء مؤسسات صغيرة
ومتوسطة، وما هو مدى اهميتها وفعاليتها؟
7-
ما هي الاليات القائمة حاليا في مجال الاحصاء والمراقبة
والمتابعة والتسجيل، ومن هي الجهات المسؤولة عنها؟
بالطبع هناك اسئلة أخرى كثيرة، وبعضها قد يكون اكثر أهمية: على
سبيل المثال، الوضع الامني والسياسي في العراق وأثره المباشر
على سوق العمل. او مسالة العمالة المهاجرة داخل البلد، او
الهجرة من البلد الى الخارج بحثا عن عمل والذي قد يتحذ احجاما
كبيرة جدا في بعد الحالات (الاردن ضمن هذه البلدان).
ان الهدف من طرح هذه الاسئلة هو ان لا يجري البحث في المستوى
التقني والاجرائي (آليات المتابعة) في فراغ، بل ان يتم في ضوء
معرفة المشكلات والخصائص الحقيقية للبلد المعني. ان الموضوع
برمته ليس موضوع تقنيا، بل هو امر يقع في صلب السياسات
الاقتصادية الاجتماعية الوطنية (وابعد من ذلك: الاقليمية
والدولية). وهذه المقاربة تسمح بالتمييز بين المستويات
المختلفة لتناول الموضوع:
-
التعامل مع المشكلات البنيوية في سوق العمل والبطالة،
-
التعامل مع تفرعات هذه المشكلة، وذلك على المستوى المحلي (فرص
عمل محلية مؤقتة على سبيل المثال)، او قطاعية او تختص بفئة
محددة من السكان في اطار برامج مكاحفة الفقر (مشاريع اقراض
ودعم مؤسسات صغيرة ومتوسط للنساء والشباب، وهي قد لاتكون انشطة
رئيسية او اعمال دائمة بالضررورة). وكذلك التمييز بين المشاريع
الهادفة الى توسيع نطاق الاعمال الخاصة، خصوصا بين الشباب.
آليات المتابعة والتقييم
كما سبقت الاشارة الى ذلك، ففي ظل عدم وجود برامج خاصة لتوليد
فرص العمل، فان متابعة مؤشرات سوق العمل التقليدية من خلال
الاحصاءات وقيود السجلات في الوزارات المعنية تصبح كافية.
وحينها يتطلب الامر تطوير هذه القدرات نفسها في الاتجاه
المطلوب.
في حال وجود برامج وسياسات خاصة بسوق العمل والبطالة، او في
حال وجود نية في انشائها سريعا، فان تصميم آليات المتابعة
والتقييم يجب ان يرتبط بهذه البرامج وباهدافها. دون ان يلغي
ذلك الاليات الثابتة المتصلة بادارة الاحصاء او سجلات وقيود
الجهات المعنية التي تبقى ضرورية في مطلق الاحوال.
ومن اجل تحديد آليات المتابعة يجب تحديد البرامج والجهات
والمؤسسات المعنية، وايجاد آليات المتابعة والمراقبة التي
تراقب عمل هذه المؤسسات والبرامج تحديدا، الى جانب المتابعة
العامة. وبالتالي لا بد اعداد قائمة بهذه السياسات والبرامج
والمشاريع، لكي توضع آليات المتابعة استنادا اليها.
من جهة آخرى، يجب التمييز بين المستويات المختلفة (ايضا كما
سبقت الاشارة الى ذلك)، وهنا يمكن التمييز على الاقل بين
مستويين كبيرين:
-
المستوى الاول، هو المستوى الوطني (وقد يتفرع على مستوى
المحافظات والتقسيمات الادارية الاخرى). وهنا قد يغلب الطابع
المؤسسات والاداري من حيث الوسائل والاليات. وتدرج ايضا ضمن
هذا الاطار البرامج الوطنية ذات الصلة.
-
المستوى الثاني، وهو المستوى المحلي (نسميه المحلي تجاوزا) وهو
يطال النطاق البلدي، ومؤسسات المجتمع المدني. والتدخل هنا
يندرج اكثر في اطار مقاربة التنمية المحلية، ووسائل المتابعة
قد تتخذ طابع الصلة الشخصية: على النطاق المحلي، عدد السكان
محدود، بالتالي بامكان البلدية او مركز الخدمات الاجتماعية او
الجمعية، ان تحصر بشكل دقيق عدد العاطلين عن العمل، وعدد الذين
يؤسسون اعمال جديدة، وعدد النازحين الى المدينة او المهاجرين
الى الخارج، وعدد المستفيدن من القروض. وكذلك بالامكان اقامة
علاقة متابعة شخصية معهم لمعرفة اذا كان العمل الذي حصلوا عليه
مستقر او توقف بعد وقت. ان نقل آلية المتابعة الى المستوى
المحلي من شأنه ان يجعل عملية المتابعة عملة ذات مضمون تنموي
حقيق وتستند الى معرفة شخصية باصحاب العلاقة، ويمكن تصميم
بطاقة خاصة لرصد التطورات هذه على مستوى المجتمع المحلي، وكذلك
تصميم بطاقة رصد فردية.
هذه العملية في كل مستوياتها يمكن ان تكون اكثر جدوى في حال
اعتمدت الاساليب التشاركية، التي تنمي المبادرة والحس
بالمسؤولية المواطنية في متابعة قضايا العمل والبطالة
باعتبارها ضمن مفهوم التنمية المحلية، وباعتبارها ضمن مسؤوليات
البلديات والجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني كافة.
وفيما يلي، مصفوفة تحليل، تتضمن نموذجا للمستويات والعناصر
التي يكمن ان يشملها التحليل: